الشيخ محمد رشيد رضا

601

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مبهمة وبيانها له معينة مع ضمان النصر له وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ المعاندين له من مشركي مكة وأعوانهم باستئصال شأفتهم ومحق قوتهم ، فان دابر القوم آخرهم الذي يأتي في دبرهم ويكون من ورائهم ، ولن يصل اليه الهلاك الا بهلاك من قبله من الجيش ، وهكذا كان الظفر ببدر فاتحة الظفر فيما بعدها إلى أن قطع اللّه دابر المشركين بفتح مكة ، وما تخلل ذلك من نيلهم من المؤمنين في أحد وحنين فإنما كان تربية على ذنوب لهم اقترفوها كما قال تعالى في الأولى ( أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) إلى أن قال ( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) وقال في الثانية ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً - إلى قوله - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الخ قال في الكشاف : يعني انكم تريدون الفائدة العاجلة وسفساف الأمور وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم واللّه عز وجل يريد معالي الأمور وما يرجع إلى عمارة الدين ونصرة الحق وعلو الكلمة والفوز في الدارين ، وشتان ما بين المرادين ، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة ، وكسر قوتهم بضعفكم ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأعزكم وأذلهم ، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها . * * * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي وعد بما وعد وأراد بإحدى الطائفتين ذات الشوكة ليحق الحق أي يقره ويثبته لأنه الحق - وهو الاسلام - ويبطل الباطل أي يزيله ويمحقه - وهو الشرك - وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أولو الاعتداء والطغيان من المشركين . وإحقاق الحق وابطال الباطل لا يكون باستيلائهم على العير بل بقتل أئمة الكفر والطاغوت من صناديد قريش المعاندين الذين خرجوا إليكم من مكة ليستأصلوكم . وقد علم مما فسرنا به الحق في الآيتين انه لا تكرار فيه ، فالحق الأول هو القتال لطائفة النفير مع ضمان النصر للمؤمنين ، ومحق الكافرين ، والثاني هو الاسلام ، وهو المقصد والأول وسيلة له . وهذا أظهر مما قاله الزمخشري وابن المنير